الجصاص
524
أحكام القرآن
وقوله تعالى : ( لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة ) فيه الدلالة على صحة إيمان الذين بايعوا النبي صلى الله عليه وسلم بيعة الرضوان بالحديبية وصدق بصائرهم ، فهم قوم بأعيانهم ، قال ابن عباس : " كانوا ألفين وخمسمائة " ، وقال جابر : " ألفا وخمسمائة " ، فدل على أنهم كانوا مؤمنين على الحقيقة أولياء الله ، إذ غير جائز أن يخبر الله برضاه عن قوم بأعيانهم إلا وباطنهم كظاهرهم في صحة البصيرة وصدق الإيمان . وقد أكد ذلك بقوله : ( فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم ) أخبر أنه علم من قلوبهم صحة البصيرة وصدق النية وأن ما أبطنوه مثل ما أظهروه . وقوله تعالى : ( فأنزل السكينة عليهم ) يعني الصبر بصدق نياتهم ، وهذا يدل على أن التوفيق يصحب صدق النية ، وهو مثل قوله : ( إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما ) [ النساء : 35 ] . وقوله تعالى : ( وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ) الآية . روي عن ابن عباس أنها نزلت في قصة الحديبية ، وذلك أن المشركين قد كانوا بعثوا أربعين رجلا ليصيبوا من المسلمين ، فأتى بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أسرى فخلى سبيلهم . وروي أنها نزلت في فتح مكة حين دخلها النبي صلى الله عليه وسلم عنوة . فإن كانت نزلت في فتح مكة فدلالتها ظاهرة على أنها فتحت عنوة لقوله تعالى : ( من بعد أن أظفركم عليهم ) ، ومصالحتهم لا ظفر فيها للمسلمين ، فاقتضى ذلك أن يكون فتحها عنوة . وقوله تعالى : ( والهدي معكوفا أن يبلغ محله ) يحتج به من يجيز ذبح هدي الإحصار في غير الحرم ، لإخباره بكونه محبوسا عن بلوغ محله ، ولو كان قد بلغ الحرم وذبح فيه لما كان محبوسا عن بلوغ المحل ، وليس هذا كما ظنوا لأنه قد كان ممنوعا بديا عن بلوغ المحل ثم لما وقع الصلح زال المنع فبلغ محله وذبح في الحرم ، وذلك لأنه إذا حصل المنع في أدنى وقت فجائز أن يقال قد منع كما قال تعالى : ( قالوا يا أبانا منع منا الكيل ) [ يوسف : 63 ] وإنما منع في وقت وأطلق في وقت آخر . وفي الآية دلالة على أن المحل هو الحرم ، لأنه قال : ( والهدي معكوفا أن يبلغ محله ) فلو كان محله غير الحرم لما كان معكوفا عن بلوغه ، فوجب أن يكون المحل في قوله : ( ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله ) [ البقرة : 196 ] هو الحرم . باب رمي حصون المشركين بأن فيهم أطفال المسلمين وأسراهم قال أبو حنيفة وأبو يوسف وزفر ومحمد والثوري : " لا بأس برمي حصون المشركين وإن كان فيها أسارى وأطفال من المسلمين ، ولا بأس بأن يحرقوا الحصون